فيصل القاسم


من أكثر ما يضحك في تصريحات المسؤولين العرب المحاصرة بلدانهم بثورات شعبية تركيزهم المسعور على أن عدد المتظاهرين قلة قليلة من المخربين والمهلوسين والجرذان والإرهابيين والمتطرفين. قلما تجد مسؤولاً عربياً يعترف بوجود متظاهرين، وإذا اعترف على مضض فإنه يعتبرهم مجرد مجموعات صغيرة للغاية لا تمثل إلا نفسها، كما يريد أن يراها هو. وقد وصل الأمر بأحد الزعماء العرب إلى نفي وجود أي مظاهرات في بلاده غير تلك المؤيدة لسيادته طبعاً. وقد شاهدنا على الشاشات صحفياً انجليزياً يسأل قائداً عربياً عن تلك المظاهرات الصاخبة الخارجة في الشوارع ضد نظام حكمه، فما كان من القائد إلا أن ضحك بملء شدقيه ناكراً وجود أي احتجاجات. طبعاً هو يعرف ضمناً أن هناك متظاهرين فعلاً، ويهددون عرشه، لكن سياسة الإنكار هي جزء من اللعبة لتقزيم الثورات والإجهاز عليها.
ولو سلمنا جدلاً أن المتظاهرين في الشوارع العربية ليسوا غالبية الشعب كما يتشدق الحكام العرب والمعتوهون الناطقون باسم أنظمتهم المتهالكة، فهذا لا يقلل من قيمة المظاهرات ولا من مشروعيتها قيد أنملة. فكلنا يعرف أن الثورات تاريخياً لا تقوم بها كل الجماهير، بل إن الذي يخطط للثورات وينفذها هم الطلائع الشعبية التي قد لا تمثل أحياناً واحداً بالمائة من الشعب، إن لم يكن أقل. هل خرج ستة وثمانون مليون مصري للثورة على نظام حسني مبارك، أم فقط حوالي مليون مواطن مصري أو أكثر قليلاً، فتمكنوا من إسقاط واحد من أعتى الأنظمة في المنطقة؟ ألم تكن أكبر مظاهرة في تونس خمسين ألف متظاهر أمام وزارة الداخلية، لكنها أجبرت بن علي على إطلاق العنان لقدميه هرباً من غضبة المتظاهرين؟
ليست العبرة أبداً في عدد المتظاهرين الذين يخرجون إلى الشوارع في الدول العربية هذه الأيام، بل في المطالب والحقوق التي ينادون بها؟ أليست مطالبهم هي مطالب السواد الأعظم من الشعوب المغلوبة على أمرها؟ ناهيك عن أن الأغلبية الصامتة تكون غالباً قلباً وقالباً مع الطلائع الثائرة. وبالتالي، يكفي أن يخرج خمسة آلاف متظاهر كي تفهم النظم الحاكمة الرسالة الشعبية. ناهيك عن أن دراسة اجتماعية أجريت في الولايات المتحدة قد أظهرت بأن كل شخص يخرج في مظاهرة تأييداً لقضية معينة يكون هناك عشرون شخصاً على الأقل يشاركونه نفس الحماس والاندفاع للقضية المعنية، لكنهم لا يشاركون في المظاهرة لسبب أو لآخر. وهذا يعني أنه علينا أن نضرب عدد المتظاهرين إذا كانوا عشرة آلاف بعشرين، فيكون العدد عملياً مائتي ألف متظاهر. وقس على ذلك. فلو خرج مثلاً في مظاهرة عربية خمسة آلاف متظاهر فهذا يعني في واقع الأمر أن المشاركين الفعليين مائة ألف متظاهر وهو عدد ضخم جداً بكل المقاييس. وهذه العملية مثبتة علمياً بالورقة والقلم، وليست من بنات “هلوسات” الثوار والمتظاهرين العرب كما يزعم أعداؤهم من أزلام الأنظمة الحاكمة. بعبارة أخرى فإن العملية الحسابية والاجتماعية تدحض دحضاً قاطعاً تخاريف الأنظمة العربية والمتحدثين باسمها الذين لا هم لهم وهم يجعرون على شاشات التلفزيون سوى التقليل من أهمية عدد المشاركين في المظاهرات وتسخيف حجمهم.
وكلنا يعرف من واقع التجربة الحياتية واليومية أنه إذا اشتكى شخص واحد بصوت عال فيجب أن نعلم بأن خلفه الألوف تشتكي، وتتألم، وتصرخ، ولكن بصمت، فمن له عقل، كما يرى الكثير من المعلقين والباحثين، عليه أن يفهم الرسالة كيف تسير الأمور، وأين يتجه الرأي العام، بغض النظر عن القلة أو الكثرة، فما نشهده اليوم هو أكثر مما شهده الأمس. حينها على الحاكم أن يدرك أن رصاصه وصواريخه قد تقتل أشخاصاً، لكنها لا تستطيع أن توقف الفكرة والرأي الذي من أجله قتل الكثير. وبالتالي ستنتصر الفكرة وستـُهزم الرصاصة.
وإذا كان الحاكم العربي وأجهزة أمنه وجيشه لا يفهم لا لغة علم الاجتماع ولا لغة الحساب ولا لغة الصمت، فنحيله إلى لغة الشجاعة. هل يعلم الحكام العرب أن المتظاهر الواحد الذي يخرج إلى الشوارع هذه الأيام ضد أنظمة حكمهم الفاشية والإرهابية بامتياز يساوي عشرين ألف متظاهر في العالم الذي يحترم نفسه. كيف؟ إن الشاب العربي قبل أن يخرج من بيته يطلب من والديه أن يقرآ الفاتحة على روحه قبل التوجه إلى المظاهرة. وأحياناً يقبـّل أهله وذويه قبلة الوداع لأنه يدرك بأن رصاصات الغدر التي ستطلقها عليه أجهزة الأمن أو الجيش أو البلطجية أو القناصة ستعيده إلى أهله جثة هامدة. إن المتظاهرين العرب هذه الأيام يعرفون جيداً أنهم يواجهون أعتى أنظمة القهر والطغيان في التاريخ بصدورهم العارية، مع ذلك لا يتورعون عن الخروج في تظاهرات تنادي بالحرية والكرامة والعيش الكريم. وهذا يعني أن المتظاهر العربي الواحد يساوي في هذه الحالة عشرين ألفاً أو أكثر من المتظاهرين الذي يتظاهرون في ظروف مريحة. ولو كانت الظروف طبيعية، ولم يكن هناك آلة بطش مرعبة لخرج الملايين من العرب في المظاهرات.
صحيح أن مئات الألوف من المتظاهرين يخرجون في هذه العاصمة الأوروبية أو تلك، لكن هؤلاء المتظاهرين يعرفون أنهم خارجون فيما يشبه النزهة، وسيعودون إلى بيوتهم بعد أن يكونوا قد قضوا وقتاً ممتعاً في المظاهرات مع رفاقهم وأصدقائهم. أما المتظاهر العربي، فهو يتحدى الموت عندما يخرج في مظاهرة، مع ذلك يخرج. وهذا يجعله من الناحية المعنوية يساوي الكثير الكثير، كما يجادل الناشطون في مجال حقوق الإنسان.
إن مشكلة النظام الديكتاتوري العربي مع الثائرين على طغيانه لا تبعث إلا على الضحك والسخرية في واقع الأمر. فالطغاة العرب لا يؤمنون بالنسبية السياسية، فهم لا يقبلون مثلاً بنصف أصوات الشعب أو أكثر قليلاً، فكما أنهم جاءوا إلى الحكم بنسبة تسعة وتسعين فاصلة تسعة وتسعين بالمائة من الأصوات(المزورة طبعاً) فإنهم صدّقوا الكذبة، وبناء على تلك الكذبة، فهم يصرون على أن يخرج تسعة وتسعون بالمائة من الشعب إلى الشوارع ضدهم كي يقتنعوا بالتنحي عن السلطة. لقد خرج الملايين في أحد البلدان العربية، ومازالوا يخرجون يومياً ضد رئيسهم، مع ذلك فإن الرئيس التعيس ما زال يعتبرهم أقلية. بعبارة أخرى، فهذا الشاويش وغيره من الشاويشات العربية الجاثمة على صدور الشعوب بالحديد والنار يأبى الخروج من السلطة إلا بعد أن يرى الشعب عن بكرة أبيه في الشارع، بمن فيهم العجزة والصم والبكم والكسيح والطريح والفسيخ والرضع وربما الأموات.